![]() |
| البراغماتية |
هل تشعر أنك تخسر الكثير بسبب طيبتك الزائدة؟ هل تجد نفسك دائمًا تضع الآخرين قبل نفسك، حتى لو كان ذلك على حساب راحتك وسعادتك؟ و هل بالرغم من معرفتك بنقاط ضعفك إلا أنك لم تجد الحل؟
هذا بالضبط ما عشته لسنوات طويلة، قبل أن أكتشف مفهوم البراغماتية
التي غيرت حياتي من جذورها.
في هذه المقالة سأشاركك رحلتي باختصار من الحساسية
المفرطة و الضعف و الهشاشة النفسية إلى الواقعية البراغماتية، لتستفيد منها وتعيد النظر في طريقة تعاملك مع
الحياة.
البداية: صراع بين
الطيبة والواقع
كنت دائمًا أشعر أن الحياة قاسية على أمثالي، كنت أشبه بخروف
وسط قطيع من الذئاب. كنت أتلقى الصدمات يومًا بعد يوم، و لم أكن أجيد التعامل مع
الناس و حتى أقرب الناس لي، و كان يتم استغلالي بصورة وحشية و من الجميع، فكانو
يبدون طيبين في البداية وينتهي الأمر بخلعهم لقناع الطيبة ليكشفوا وجوهًا مختلفة
تمامًا.
حاولت بسذاجتي تغييرهم، ثم البحث عن أشخاص يشبهونني، لكن
الأمر كان يتكرر فالجميع يدعي الطيبة في البداية، خاصة إذا ما كانو يريدون شيئا في
يدي، فإنهم بمجرد الحصول عليه فإنهم يتغيرون و يصبحون قساة،و اكتشفت حينها أن المشكلة لم تكن في الآخرين بقدر ما كانت في نفسي
وطريقة تفكيري، لأن الآخرين لا يمكن تغيرهم فالحياة علمتهم القسوة و الخبث و ليس
لهم طريقة الا ما تعلموه.
اكتشافي للبراغماتية
تعرفت على البراغماتية عن طريق معاناتي المتكررة مع البشر
القساة، ما حفزني للبحث المكثف عن الموضوع، سواء عن طريق ملاحظة الناس من حولي أو عن
طريق البحث في الانترنت عن الاسباب النفسية و السيكولوجية لنكساتي المتكررة و عن أسباب سذاجتي حتى وصلت الى مفهوم
البراغماتية.
البراغماتية ببساطة هي أن تبني قراراتك وأفكارك على النتائج
الواقعية بدلًا من العواطف أو المثالية المطلقة.
حين بدأت أطبّق هذا المبدأ، فوجئت بأني أواجه صراعًا
داخليًا بين ضميري الذي رفض فكرة الأنانية، وغريزتي التي أكدت أن من حقي أن أعيش
لنفسي أيضًا و كان علي أن أصلح نفسي من الداخل أولا، لاني كنت كالبيت الخرب، و الحل
كان بالبدأ بقول"لا"، و كلما فعلت ذلك، لاحظت تأنيب ضميري لي
بدون سبب منطقي و واصلت رفض كل ما لا يخدمني متجاهلا ذلك الصوت الذي كان يعذبني في
كل مرة أفعلها، كنت أجيبه بنفس الطريقة ، "اصمت ، حان الوقت لأحب نفسي ، والأولوية ستكون لي، أنا الأهم"
مرحلة الطفولة: الجذور الأولى للمشكلة
الطفولة هي المرحلة التي يُشكَّل فيها وعي الطفل بذاته وبالعالم، ففيها نكون صفحات بيضاء يكتب الآخرون عليها ما يشاؤون. إذا نشأ الطفل في بيئة متوازنة تُعطيه الحب مع توجيه واقعي، فإنه يتعلم منذ الصغر أن يوازن بين العاطفة والعقل، فتتكون لديه بذور البراغماتية التي تساعده على التعامل مع الحياة بواقعية. أما إذا تربى في جو قمعي يمنعه من التعبير، أو مثالي مفرط يُصوّر له العالم كأنه كامل وعادل دائمًا، فإنه يكبر إمّا منطويًا أو مضحيًا بنفسه أكثر من اللازم، بعيدًا عن البراغماتية التي تقوم على الاعتراف بالواقع كما هو والتصرف وفق نتائجه.
و من خلال ذلك سيكون بامكانك أن تتعرف على مستقبل الطفل عندما يصبح رجلا ذات يوم.
كيف ساعدتني
البراغماتية على التغيير؟
عندما بدأت أتعرف على
مفهوم البراغماتية وأطبقه في حياتي اليومية، لاحظت أن أمورًا كثيرة بدأت
تتغير تدريجيًا. لم يعد تفكيري سجين العواطف أو المثاليات التي لا تتحقق، بل صار
قائمًا على النتائج الواقعية وما يخدمني فعلًا.
- صرت
أتعامل مع المواقف ببرود نسبي، لا أسمح للعاطفة أن تعمي بصيرتي.
- تعلمت أن
أتخلى عن الأهداف أو الأشخاص الذين لا يضيفون قيمة إلى حياتي.
- بدلاً من
إضاعة وقتي في اللوم والغضب، أصبحت أبحث مباشرة عن حلول عملية.
- الأهم
أنني بدأت أضع نفسي و مصلحتي في المقام الأول، و دون أن أشعر بالذنب أو أعتبر ذلك أنانية.
هذه التغييرات جعلتني
أكثر اتزانًا وثقة، وأقرب إلى نفسي الحقيقية. اكتشفت أن البراغماتية ليست مجرد
أسلوب للتفكير، بل هي أداة لتحرير الذات من القيود النفسية والعاطفية التي
كانت تكبّلني لسنوات.
لا تتعدى حدود
البراغماتية
على الرغم من أن البراغماتية ساعدتني على التوازن
والنجاح، إلا أنني أدركت أن المبالغة فيها قد تكون سلاحًا ذا حدين. فالاعتماد
المفرط على الواقعية وحدها قد يحوّل الإنسان إلى شخص بارد، يحسب كل شيء بمقياس
الربح والخسارة فقط، وينسى الجانب الإنساني والعاطفي في حياته.
- إذا ركّزت على
النتائج فقط، قد تفقد التعاطف مع الآخرين.
- إذا تجاهلت
العاطفة تمامًا، قد تبتعد عن العلاقات الحقيقية وتتحول إلى آلة حسابية.
- إذا فضّلت نفسك
دائمًا دون اعتبار للآخرين، ستُتهم بالأنانية وقد تخسر ثقة الناس بك.
البراغماتية الناجحة هي التي تقوم على التوازن: أن تعرف متى تكون
واقعيًا عمليًا، ومتى تسمح لقلبك ومشاعرك بأن تقودك. فالحياة ليست أرقامًا ونتائج
فقط، بل أيضًا مشاعر وإنسانية وروح.
في النهاية، البراغماتية تكشف حقيقتك:
- إن كنت إنسانًا
طيبًا، ستجد أنها تساعدك على النجاح دون أن تفقد نفسك.
- وإن كنت تسعى فقط
للاستغلال، فستخسر عاجلًا أم آجلًا.
رحلتي من الهشاشة و الضعف إلى الواقعية البراغماتية لم
تكن سهلة، لكنها كانت نقطة تحول فارقة في حياتي.
اليوم صرت أكثر وعيًا بذاتي، وأكثر قدرة على اتخاذ
القرارات التي تناسبني دون أن أُهمل مشاعري أو أستسلم لطيبة زائدة.
هل ترى نفسك شخصًا براغماتيًا؟ شاركني رأيك وتجربتك.



