هل البيتا اخترع السيجما
✍️ بقلم: الذئب البريء – مدونة نحو السيجما
من أين بدأ الغموض؟
في السنوات الأخيرة، ظهر مصطلح "الرجل السيجما" وانتشر بشكل لافت على مواقع التواصل الاجتماعي، وخاصة في مجموعات المانوسفير. وبرز كرمز للرجل الغامض المستقل الذي يعيش خارج النظام الاجتماعي المتعارف عليه باسم "الهرم الاجتماعي" و الذي اعتدنا عليه في تلك المجموعات لوقت طويل، و فيه كان مصلح الألفا هو المهيمن حيث كانت تلك المجموعات تدعوا الرجال الضعفاء أو ما يسمون بالبيتا إلى أن يصبحوا ألفا.
و تم تعريف الشخصية الجديدة (الرجل السيجما) على أنه ذلك الشخص القوي، الألفا الذي تخلى عن القيادة ولم يرضخ للتبعية أو لأي تصنيف. بل قرر أن يسلك طريقًا منفردًا يوازن فيه بين العزلة والثقة، بين الغموض والهيمنة الهادئة، ويمارس القيادة من الظل إن احتاج لذلك.
لكن السؤال الذي لطالما أثار الفضول هو: من أين جاء هذا المفهوم فعلًا؟ وهل يمكن أن يكون الرجل البيتا، الذي لطالما اعتُبر ضعيفًا أو تابعًا، هو من اخترع صورة السيجما في محاولة ذكية لإعادة تعريف مكانته الاجتماعية بطريقة غير مباشرة؟
من هو أول من استخدم مصطلح السيجما؟
يُعد الكاتب والناشط الأمريكي ثيودور روبرت بيل المعروف باسم Vox Day أول من استخدم مصطلح "الرجل السيجما" سنة 2010 في مدونته، عندما حاول أن يشرح تسلسلاً جديدًا للأنماط الذكورية إلى جانب الألفا والبيتا. استلهم بيل المصطلح من الحرف اليوناني الثامن عشر "Σ" (سيجما)، ليصف الرجل الذي يعيش خارج التسلسل الاجتماعي التقليدي، لا يتبع أحدًا ولا يسعى لأن يُتبع.
لاحقًا، بدأ المصطلح ينتشر في المنتديات ومجتمعات المانوسفير عبر الإنترنت، لكنه بقي غامضًا إلى أن أعادت وسائل التواصل الاجتماعي تسليط الضوء عليه في العقد التالي. ووفقًا لموقع Dictionary.com، فإن أول استخدام واسع لمصطلح "Sigma Male" على تويتر كان سنة 2021 من قبل مستخدمة تُدعى Lily Simpson، حين نشرت تغريدة تتضمن صورًا ورسوماً ساخرة من هذا المفهوم، مما ساهم في انتشاره عالميًا كمصطلح ثقافي معاصر.
وهكذا انتقل مصطلح السيجما من مجرد فكرة في مدونة مجهولة إلى رمز ثقافي عالمي يعاد تداوله اليوم في النقاشات حول الذكورة الحديثة.
ماذا يقول الباحثون و علم النفس عن فكرة السيجما؟
يشير قسم علم النفس الاجتماعي في جامعة هارفارد إلى أن انتشار تصنيفات مثل الألفا والسيجما والبيتا هو نتاج حاجة الإنسان إلى تصنيف ذاته داخل منظومة تمنحه شعورًا بالسيطرة والانتماء.
ويرى بعض الباحثين أن فكرة "الرجل السيجما" قد تكون نوعًا من التحول الدفاعي، حيث يحاول الفرد الذي يشعر بالتهميش أو الفشل الاجتماعي أن يعيد تعريف نفسه ضمن إطار جديد يمنحه القوة دون الحاجة إلى الصراع.
وفي دراسة أخرى من جامعة كامبريدج، جاء أن الذكورة في العصر الرقمي لم تعد تعتمد على القوة الجسدية أو المكانة الاجتماعية، بل على مفاهيم جديدة من أبرزها "الندرة والغموض". وهذه السمة جعلت من السيجما شخصية مثالية يتبناها الرجل الانطوائي الذي يسير في ظل أطراف الجدران، هاربًا من ضجيج المجتمع، لكنه واثق من نفسه.
قد تكون هذه الشخصية في جوهرها انعكاسًا خفيًا لاحتياج نفسي — احتياج البيتا إلى أن يخلق لنفسه بطلًا جديدًا يشبهه، لكن بنسخة أقوى وأكثر هيبة.
هل البيتا هو من اخترع السيجما؟
إذا عدنا إلى بدايات انتشار مصطلح "سيجما" على الإنترنت، نجد أنه لم ينشأ من أبحاث أكاديمية أو دراسات علمية، بل من منتديات ومجتمعات رقمية كان يتجمّع فيها رجال يشعرون بأنهم على هامش الحياة الاجتماعية، ربما يكون شخص بشخصية بيتا أو أقل من ذلك، جالس بكسل أمام شاشة الحاسوب وقرر أن يخترع لنا هذا "السيجما" استنساخًا مما رآه في التسميات الأخرى، ليجعل لنفسه وأمثاله مكانة وهمية. ربما قد يكون ذلك حصل فعلاً..
هناك من يرى أن فكرة السيجما لم تكن سوى محاولة لإعادة كتابة القواعد: أن يصبح الانعزال قوة، والبرود سلاحًا، والغموض هوية. بهذه الطريقة، وجد الرجل الذي لم يكن يومًا "ألفا" مساحةً جديدة ليتنفس فيها ويتفوّق بطريقته الخاصة.
بعض علماء النفس يعتبرون هذه الظاهرة شكلًا من أشكال التمرد النفسي على النموذج التقليدي للألفا، بينما يرى آخرون أنها مجرد اختراع غير واعٍ من العقل الجماعي لرجالٍ لم يجدوا أنفسهم في أي من الأدوار القديمة.
بمعنى آخر، ربما السيجما هو بيتا قرر أن يخلق لنفسه بعدًا ثالثًا... خارج اللعبة تمامًا.
الخاتمة
إن فتح نقاش حول هذا الموضوع يجعل البعض يفتح أمامه آفاقًا جديدة للتفكير، بينما يجعل البعض الآخر يغضب ويدافع عن الفكرة بشراسة. لكن الأهم أن هذا الموضوع يجب أن يكون محورًا للنقاش في كل مجموعة ومكان يتناول مفهوم السيجما.
هذا المقال هو اجتهاد شخصي من كاتب مدونة "نحو السيجما" – الذئب البريء، نابع من اهتمامي الكبير والدقيق بموضوع السيجما، وسيكون هذا الموضوع محور نقاش موسع قريبًا على قناتي على يوتيوب. اشترك وتابعونا لمزيد من التحليلات حول عالم السيجما والذكورة الحديثة.